قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي

455

الخراج وصناعة الكتابة

من أحوالهم . وكان عند انجذابه لملاقاة دارا قد استخلف معلمه أرسطاطاليس على ما خلفه ، وكان يطالعه بأحواله ويستمد الرأي من جهته ، فكتب اليه عند حلوله بأرض فارس ، واجتماع من اجتمع من ملوكهم قبله كتابا يقول [ فيه ] « 30 » : أما بعد فان الاقدار وسابق الاتفاقات ، وأن كانت أصارت بنا إلى ما نحن عليه ، من علو الشأن فليس ذلك بمانع لنا من الرجوع إلى رأيك والاستضاءة بنور حكمتك ، وأني لما حللت ببلاد فارس ، اجتمع إلي ملوكهم من الأقطار فرأيت أجساما عظيمة ونفوسا عالية ، وهمما « 31 » سامية ، وشجاعة كاملة ، وأحوالا ضخمة واسعة ، ووجدت مقامي وسط بلادهم وقد استوليت على مملكتهم ، وظفرت بملكهم غرارا إذا كنت لا أمن أقدامهم ، وفكرت في قتلهم فاحجمت عنه لأني لم أعرف وجهه ، وقد صرت في أمورهم على حال محيرة ، فأشر بما تراه صوابا في تدبيرهم . فأجابه أرساطاليس : وهو معلمه الذي أنشأه ، وبصره جوابا ينبغي أن يمتثل في جوابات الملوك ، ويتقبل في مخاطباتهم . فأن الملك لو جاز أن يتعالى عليه أحد ، لوجب لذلك الحكيم الذي كان سبب تثقيفه ، ولكن من شأن الملك أن يتواضع له كل ذي عمل ويتطأطأ دونه كل ذي فضل ، فان في جواب هذا الحكيم لهذا الملك العظيم تبصرا في مخاطبة الملوك ، واحدة : مع ما فيه من الارشاد إلى تعلم صواب الرأي ، ثانية ، وهو هذا : وصل اليّ كتاب الملك وفهمته ، فأما قوله ، أن الاقدار والاتفاقات ساقت اليه الأحوال التي هو بها فليت الاقدار إذا ساقت إلى أحد حالا عظيما كان مستحقا لها كاستحقاق الملك المنزلة التي وصل إليها ، فأن ، الفراسة فيه قد كانت توجيها ، وأقوال الكهنة تؤذن بها وتدل عليها .

--> ( 30 ) ليست في س . وجاءت في الأصل : هما . ( 31 ) في س : وهما .